في مقال نُشر في موقع ynet بتاريخ 10.08.2026، ورد الحديث عن تقرير جديد صادر عن حركة السلام الآن، يعرض كيف تقوم الحكومة، بحسب التقرير، بدفع عملية “تفكيك أوسلو” من دون إعلان رسمي ومن دون تشريع مباشر. ووفقاً لما ورد، فإن الحديث يدور عن سلسلة خطوات في مناطق A وB في الضفة الغربية، تشمل استخدام أوامر وضع يد عسكرية، نقل صلاحيات رقابة وإنفاذ إلى الإدارة المدنية، دفع بنى تحتية، حفريات أثرية وإقامة بؤر استيطانية جديدة.
أهمية هذا التقرير لا تكمن فقط في السؤال السياسي العام حول مستقبل اتفاقيات أوسلو، بل بالأساس في التغيير العملي في بنية السيطرة على الأرض. فبحسب الاتفاقيات المرحلية، يفترض أن تكون مناطق A خاضعة للمسؤولية المدنية والأمنية الفلسطينية، وأن تكون مناطق B خاضعة للمسؤولية المدنية الفلسطينية إلى جانب مسؤولية أمنية إسرائيلية. وعندما تُنقل صلاحيات مدنية، تخطيطية، بيئية أو أثرية فعلياً إلى جهات إسرائيلية داخل هذه المناطق، يثور السؤال عمّا إذا كانت التقسيمات التي قررتها الاتفاقيات ما زالت قائمة، أم أن واقعاً جديداً من السيطرة المدنية الإسرائيلية الآخذة بالتوسع قد بدأ يتشكل.
وبحسب التقرير، فإن الحديث في السنة الأخيرة لم يعد يقتصر على نشاط أمني داخل مناطق A، بل يشمل أيضاً أخذ صلاحيات مدنية فعلية. ومن بين ما أُشير إليه قرار من شباط 2026 يسمح للإدارة المدنية بالإنفاذ والرقابة في مناطق A وB في مجالات البيئة، المياه والآثار، بذريعة منع أضرار بيئية ومنع المس بالمواقع التراثية.
من الناحية القانونية، يشكل ذلك تغييراً مهماً. فالنشاط الأمني الموضعي، حتى إن كان محل خلاف، يختلف بطبيعته عن ممارسة صلاحيات مدنية جارية. الرقابة البيئي، الرقابة على المياه، الإعلان عن مواقع أثرية أو التعامل معها، دفع البنى التحتية ووضع اليد على الأراضي، كلها أدوات مدنية ـ إدارية تؤثر مباشرة على الأرض، التخطيط، الاستعمالات، التطوير، الحركة وحقوق الملكية.
وعندما تُمارس هذه الأدوات داخل مناطق A وB، تثار أسئلة قانونية ثقيلة: من يملك صلاحية اتخاذ القرار، ما هو مصدر الصلاحية، هل يتوافق القرار مع الاتفاقيات المرحلية، هل مُنحت لأصحاب الحقوق فرصة للاعتراض وإسماع موقفهم، هل توجد مساس بأرض خاصة، هل دُرست بدائل، وهل الحديث عن إجراء مؤقت أم عن إنشاء آلية سيطرة دائمة.
ينضم هذا التقرير أيضاً إلى منشورات أخرى في الفترة الأخيرة حول استخدام أوامر وضع يد عسكرية في منطقة A لغرض الربط بين مستوطنات جديدة. إن استخدام أوامر عسكرية، إلى جانب نقل صلاحيات مدنية إلى الإدارة المدنية، يرسم صورة أوسع: ليس مجرد وجود عسكري مؤقت، بل توسيع آليات الإدارة، الرقابة والبنية التحتية الإسرائيلية إلى مناطق يفترض أن تكون تحت مسؤولية فلسطينية.
من زاوية أصحاب الأراضي والحائزين الفلسطينيين، قد تكون لهذه التطورات آثار مباشرة وعملية. فالقرارات المتعلقة بالبيئة، المياه، المواقع التراثية، طرق الوصول، البنى التحتية أو الأوامر العسكرية يمكن أن تؤثر على الوصول إلى الأراضي، استعمال الأرض، الزراعة، البناء، الحركة بين القرى، التطور المستقبلي ومكانة الممتلكات. لذلك، لا يدور الحديث عن سؤال سياسي مجرد فقط، بل عن قضية تمس الحقوق اليومية للسكان والتجمعات.
وهناك أيضاً جانب مهم يتعلق بالشفافية. فعندما يجري تغيير جوهري في بنية السيطرة من دون تشريع رسمي ومن دون إعلان سياسي واضح، يصبح من الصعب على الجمهور، أصحاب الحقوق والجهات القانونية متابعة مصدر الصلاحية ومدى التغيير. قد تبدو القرارات الإدارية، الأوامر الموضعية ونقل الصلاحيات كإجراءات منفصلة، لكنها قد تشكل معاً تغييراً عميقاً في مكانة الأرض وتوزيع الصلاحيات.
ومن الناحية القانونية الأوسع، يجب فحص مثل هذا المسار أيضاً في ضوء قانون الاحتلال والقانون الدولي الإنساني. فبحسب هذه القواعد، صلاحيات القوة القائمة بالاحتلال مؤقتة ومحدودة، وعليها إدارة الإقليم لمصلحة السكان المحليين المحميين. إن توسيع صلاحيات مدنية إسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، خصوصاً عندما يرتبط الأمر بالبنى التحتية، المستوطنات، الآثار أو الموارد الطبيعية، يستوجب فحصاً دقيقاً للغرض، مصدر الصلاحية، التناسب، والأثر على السكان الفلسطينيين.
وتزداد أهمية هذه المسائل بعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بتاريخ 19.07.2024، والذي قرر أن سياسة إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة يجب أن تُفحص كمنظومة واحدة، بما في ذلك المستوطنات، تخصيص الأراضي، البنى التحتية، تطبيق القانون الإسرائيلي والنظام القانوني الداعم لها. في هذا السياق، حتى تغييرات الصلاحيات التي تبدو “مدنية” قد تكون جزءاً من صورة أوسع من الضم الفعلي أو تعميق السيطرة.
لذلك، يجب أن يكون تتبع هذه الخطوات تفصيلياً وبنيوياً في الوقت ذاته. ينبغي فحص كل أمر، كل قرار وكل نقل صلاحية على حدة، ولكن أيضاً فحص الصورة المتراكمة: هل الحديث عن إجراءات إدارية موضعية، أم عن مسار واسع لتغيير مكانة مناطق A وB، تقليص الصلاحية الفلسطينية وتوسيع السيطرة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية.
إن الحديث عن “تفكيك أوسلو” من دون تشريع يبرز الحاجة إلى فحص قانوني مستمر لكل إجراء يغيّر توزيع الصلاحيات على الأرض. ومن زاوية الأراضي، التخطيط والبناء، حقوق الملكية وحرية الحركة، מדובר بتطور ذي آثار عملية واسعة، يستوجب المتابعة، الشفافية، فحص مصدر الصلاحية، وحماية حقوق أصحاب الأراضي والتجمعات الفلسطينية.
لقراءة المقال في موقع ynet — اضغط هنا.