تشهد الضفة الغربية في السنوات الأخيرة توسعًا متسارعًا في إقامة البؤر الاستيطانية، ولا سيما البؤر الرعوية التي تبدأ غالبًا بخيمة أو عربة أو حظيرة صغيرة، ثم تتحول تدريجيًا إلى نقطة سيطرة على مساحات واسعة من الأراضي.
ولا يقتصر أثر البؤرة على المساحة التي أُقيمت عليها المنشآت نفسها. ففي كثير من الحالات يبدأ المستوطنون بإدخال المواشي إلى الأراضي الزراعية، وإغلاق الطرق، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، والاعتداء على السكان وممتلكاتهم، وإتلاف الأشجار والمحاصيل وسرقتها. وهكذا قد تتحول خيمة واحدة، خلال فترة قصيرة، إلى وسيلة للسيطرة الفعلية على مئات أو آلاف الدونمات.
وقد امتدت هذه الظاهرة مؤخرًا من منطقة C إلى منطقتي A وB، حيث أُقيمت بؤر استيطانية داخل مناطق يفترض أنها خاضعة للصلاحيات المدنية للسلطة الفلسطينية. وتهدف هذه البؤر لمنع التطور الفلسطيني، وقطع التواصل بين القرى، والسيطرة على الطرق، وإبعاد السكان تدريجيًا عن أراضيهم.
لا تسمحوا لليـأس ان يسيطر عليكم
يعتقد بعض أصحاب الأراضي والمتضررين أن لا جدوى من تقديم الشكاوى أو اللجوء إلى القضاء، وأن منظومة القضاء الإسرائيلية لن تمنح الفلسطينيين العدالة. ويزداد هذا الشعور عندما تقع الاعتداءات أمام أعين الجيش والشرطة، أو عندما تُقدم الشكاوى ولا يظهر تغيير فوري على الأرض.
لكن اليأس والاستسلام يخدمان المعتدين، ويسمحان للبؤرة الصغيرة بأن تتحول مع مرور الوقت إلى أمر واقع يصعب تغييره.
الحقيقة هي أنه يمكن القيام بالكثير من أجل وقف التوسع، وإزالة البؤرة، واستعادة الوصول إلى الأراضي، وإلزام السلطات بأداء واجباتها. ليست كل قضية سهلة، ولكن التحرك السريع والمنظم والمستمر قد يصنع فرقًا حقيقيًا.
المتضرر أقوى من المعتدي من الناحية القانونية
عندما يقيم المعتدي خيمة أو حظيرة أو منشأة على أرض لا يملكها، ويمنع أصحابها من الوصول إليها، فإنه لا يكتسب بذلك حقًا قانونيًا فيها. وجوده بالقوة لا يمنحه ملكية ولا حيازة مشروعة، وتكرار الاعتداءات لا يحول العمل غير القانوني إلى حق.
أما صاحب الأرض أو المتصرف بها أو من يزرعها ويستعملها، فلديه حقوق قانونية يمكن إثباتها والدفاع عنها. وقد تستند هذه الحقوق إلى سندات التسجيل، أو الكواشين، أو وثائق الشراء، أو الحيازة المتواصلة، أو الزراعة، أو الأشجار، أو دفع الضرائب، أو شهادات السكان والخرائط والصور التاريخية.
لذلك، فإن الطرف المتضرر أو ضحية الاعتداء يكون، في كثير من الحالات، أقوى قانونيًا من المعتدي الذي لا يملك أي صفة قانونية في الأرض. قد تطول المواجهة، وقد تتطلب صبرًا وعملًا دقيقًا، لكن من يملك الحق والأدلة ويتمسك بهما تكون له أفضلية قانونية حقيقية، ويمكنه في نهاية المعركة القانونية ان يخرج منتصرا.
المحكمة ملزمة بالقانون
صحيح أن هناك انتقادات جدية لطريقة تعامل سلطات تطبيق القانون والمحاكم الإسرائيلية مع الفلسطينيين. ومع ذلك، فإن المحكمة لا تعمل في فراغ، وهي ملزمة بالقانون، وبفحص أعمال الجيش والشرطة والإدارة المدنية والسلطات الأخرى.
عندما يُعرض أمام المحكمة ملف منظم يثبت وجود بؤرة غير قانونية، واعتداءات متكررة، ومنعًا لأصحاب الأرض من الوصول إلى ممتلكاتهم، وامتناعًا مستمرًا من السلطات عن تطبيق القانون، يصبح من الصعب تجاهل الوقائع أو الاكتفاء بإجابات عامة.
اللجوء إلى المحكمة يجبر السلطات على تقديم ردود رسمية، وتوضيح ما قامت به، ومواجهة الأدلة، وشرح سبب عدم تطبيق القانون. وفي القضايا المناسبة يمكن طلب أوامر لإزالة البؤرة، ومنع توسيعها، وإبعاد المعتدين، وفتح الطرق، وحماية السكان وضمان وصولهم إلى بيوتهم وأراضيهم.
ماذا يجب فعله عند إقامة بؤرة جديدة أو وقوع اعتداء؟
أولًا: توثيق كل شيء
يجب تصوير البؤرة منذ لحظة ظهورها، وعدم الانتظار حتى تتوسع. وينبغي توثيق:
- الخيام والعربات والحظائر والمنشآت الجديدة.
- الأشخاص الموجودين في الموقع.
- المركبات وأرقام لوحاتها، إن أمكن بصورة آمنة.
- المواشي التي تُدخل إلى الأراضي الزراعية.
- الطرق التي تُغلق أو تُقام عليها حواجز.
- الاعتداءات على السكان والمزارعين.
- الأضرار التي تلحق بالأشجار والمحاصيل والآبار والممتلكات.
- وجود الجيش أو الشرطة وطريقة تعاملهما مع الحدث. هنالك اهمية كبرى لتوثيق طريقة تعامل الجيش والشرطة مع الاحداث على ارض الواقع. مثلا حماية المستوطنين المعتدين أو عدم ابعادهم او اعتقالهم او عدم قيام الجيش بواجبه.
يجب الاحتفاظ بالصور ومقاطع الفيديو الأصلية، مع تسجيل تاريخ ومكان التصوير، وعدم الاكتفاء بنشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ثانيًا: كتابة محضر لكل حادثة
بعد كل حادثة يجب كتابة مذكرة واضحة تتضمن:
- تاريخ الحادثة وساعتها.
- المكان الدقيق.
- أسماء الأشخاص المتضررين والشهود.
- وصف ما حدث بالتسلسل.
- الأضرار التي وقعت.
- الجهات التي تم الاتصال بها.
- أسماء الجنود أو أفراد الشرطة إن عُرفت.
- أرقام الشكاوى أو البلاغات المقدمة.
هذه المذكرات مهمة جدًا، لأن الإنسان قد ينسى التفاصيل مع مرور الوقت، بينما يحتاج الملف القانوني إلى تسلسل زمني دقيق ومدعوم بالأدلة. وتوثيقها يسهل عمل المحامي لاحقا اذ يستطيع درلستها وكتابة الشكاوي بناءا على الوقائع التي وردت بها. يمكن توثيقها في الهاتف برسائل نصية او اية طريقة مناسبة تسهل نقلها للمحامي لاحقا.
ثالثًا: جمع وثائق الأرض والخرائط
يجب جمع كل ما يمكن أن يثبت الملكية أو الحيازة أو الاستعمال، ومن ذلك:
- سندات التسجيل والطابو والكواشين.
- عقود البيع والشراء وحجج الإرث.
- إيصالات الضرائب.
- خرائط الأراضي والمخططات.
- صور جوية أو صور أقمار صناعية.
- صور قديمة للأرض والزراعة والأشجار.
- إفادات أصحاب الأراضي والجيران والمزارعين.
- أي وثائق تثبت الوصول المتواصل إلى الأرض واستعمالها.
قد لا تكون هنالك حاجة لجميع الوثايق. وعليه لا تدع الوثائق تعيق تقدمك في الشكوى وحتى لو ظهرت مواد ناقصة.
كما يجب تحديد الموقع الدقيق للبؤرة وبيان ما إذا كانت تقع في منطقة A أو B أو C، وما إذا كانت الأرض خاصة أو مسجلة أو مزروعة أو مستخدمة فعليًا.
رابعًا: تقديم شكوى إلى الشرطة
عند وقوع اعتداء أو تهديد أو تخريب أو سرقة أو منع وصول، يجب تقديم شكوى رسمية إلى الشرطة والإصرار على الحصول على رقم للشكوى أو للملف.
ويجب تزويد الشرطة بالصور ومقاطع الفيديو وأسماء الشهود وأرقام المركبات وأي دليل متاح. وإذا رفضت الشرطة استقبال الشكوى أو لم تتعامل معها بصورة جدية، فيجب توثيق ذلك أيضًا.
خامسًا: التوجه إلى الارتباط الفلسطيني أو الإسرائيلي
يمكن تقديم بلاغ إلى الارتباط الفلسطيني ليقوم بدوره بنقل الشكوى ومتابعتها مع جهات الارتباط الإسرائيلية.
كما يمكن التوجه إلى الارتباط الإسرائيلي المختص بالمنطقة، وتقديم طلب واضح لإزالة البؤرة، وإبعاد المعتدين، وفتح الطرق، وحماية السكان وضمان وصولهم إلى أراضيهم.
ولا يكفي إجراء اتصال هاتفي فقط. من الأفضل إرسال الشكوى كتابة والاحتفاظ بنسخة منها وبما يثبت إرسالها أو استلامها.
سادسًا: التوجه إلى مركز توجهات الجمهور
يمكن أيضًا التوجه إلى مركز توجهات الجمهور التابع للإدارة المدنية عبر الوسائل الآتية:
- الهاتف: 0747642929
- الرقم المختصر: *4943
- البريد الإلكتروني: mnz@mgar.co.il
عند تقديم البلاغ، يجب وصف الموقع بدقة، والافضل ذكر الاحداثيات، وإرفاق الصور والخرائط، وطلب رقم مرجعي لمتابعة التوجه. كما يجب الاحتفاظ بنسخة من الرسالة وأي رد يصل بشأنها.
متى يمكن اللجوء إلى المحكمة العليا؟
إذا قُدمت الشكاوى والتوجهات، وأُعطيت السلطات فرصة معقولة للتحرك، لكنها امتنعت عن إزالة البؤرة أو وقف الاعتداءات، يمكن تقديم التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بصفتها محكمة عدل عليا.
يمكن أن يطلب الالتماس إلزام الجيش والشرطة والإدارة المدنية بإزالة البؤرة، وإبعاد المعتدين، وفتح الطرق، وتطبيق القانون، وحماية السكان وضمان وصولهم إلى أراضيهم.
وفي الحالات العاجلة يمكن أيضًا طلب أمر مؤقت لمنع توسيع البؤرة، أو وقف الأعمال الجديدة، أو منع عودة المعتدين، أو توفير حماية فورية للسكان إلى حين الفصل في القضية.
نجاح المسار القضائي يعتمد بدرجة كبيرة على جودة الملف: خرائط دقيقة، وصور مؤرخة، ومقاطع فيديو أصلية، ووثائق ملكية أو حيازة، وإفادات، ونسخ من الشكاوى والردود، وتسلسل زمني واضح للأحداث.
لا تدعوا اليأس يسيطر عليكم ولا تتركوا البؤرة تتحول إلى أمر واقع
إقامة بؤرة جديدة ليست نهاية الطريق. وحتى عندما تبدو السلطات مترددة في التحرك، فإن التوثيق المبكر، وجمع الوثائق، وتقديم الشكاوى، والمتابعة المستمرة واللجوء إلى القضاء يمكن أن تمنع تثبيت البؤرة وتساعد على إزالتها.
مكتبنا يتولى تقديم الالتماسات إلى المحكمة العليا في قضايا البؤر الاستيطانية وعنف المستوطنين، وقد تحققت من خلال هذه الإجراءات إنجازات مهمة في قضايا مشابهة.
إذا كنتم تتعرضون لاعتداءات مشابهة، أو أُقيمت بؤرة استيطانية قرب بيوتكم أو على أراضيكم، فلا تنتظروا حتى تتوسع وتتحول إلى واقع دائم. يمكنكم التواصل مع مكتبنا لفحص القضية واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.
مكتب المحامي غياث ناصر
هاتف: 026282650 او نقال 0546563111