في 22.10.2025 أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأياً استشارياً إضافياً يتعلق بالأرض الفلسطينية المحتلة. وبخلاف الرأي الاستشاري الواسع الصادر بتاريخ 19.7.2024، الذي تناول قانونية الاحتلال، المستوطنات، الضم وآثارها القانونية، فإن الرأي اللاحق أكثر تركيزاً: فهو يتناول التزامات إسرائيل بشأن وجود ونشاط الأمم المتحدة، الأونروا، المنظمات الدولية والدول الثالثة في الأرض الفلسطينية المحتلة وبشأنها.
يواصل هذا الرأي الاستشاري الرأي الصادر بتاريخ 19.7.2024 ويستند إلى عدد من مبادئه الأساسية: مكانة الأرض الفلسطينية المحتلة، التزامات إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال، حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وواجب إدارة الإقليم لمصلحة السكان المحليين المحميين.
صدر الرأي بناءً على طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي طلبت من المحكمة توضيح التزامات إسرائيل، بصفتها قوة قائمة بالاحتلال وبصفتها عضواً في الأمم المتحدة، تجاه عمل هيئات الأمم المتحدة وجهات الإغاثة الأخرى، بما في ذلك ما يتعلق بتوفير المساعدات الإنسانية، الخدمات الأساسية، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
الخلفية المباشرة للرأي كانت سلسلة من الإجراءات التي اتخذت ضد نشاط الأونروا وجهات دولية أخرى، إضافة إلى القيود المفروضة على العمل الإنساني، خصوصاً بعد أحداث 7.10.2023 والحرب في غزة. وقد شددت المحكمة على أن الطلب المعروض عليها لا يكرر الرأي السابق، بل يتناول سؤالاً قانونياً محدداً وإضافياً: ما هي الالتزامات القانونية المترتبة على إسرائيل تجاه نشاط الأمم المتحدة وجهات الإغاثة في الأرض الفلسطينية المحتلة.
الإطار القانوني: قوة قائمة بالاحتلال وعضو في الأمم المتحدة
يفحص الرأي التزامات إسرائيل في مستويين متوازيين. الأول هو مكانة إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يترتب على ذلك من التزامات بموجب قانون الاحتلال، القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. والثاني هو مكانة إسرائيل كدولة عضو في الأمم المتحدة، ملزمة بالتعاون مع المنظمة، احترام وظائفها، وعدم عرقلة أعمالها وفق ميثاق الأمم المتحدة والقواعد المتعلقة بالامتيازات والحصانات.
تؤكد المحكمة من جديد المبدأ القاضي بأن على القوة القائمة بالاحتلال إدارة الإقليم المحتل لمصلحة السكان المحليين. وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالمساعدات الإنسانية، الخدمات الصحية، الغذاء، المياه، التعليم والخدمات الأساسية الأخرى التي تقدمها عملياً هيئات الأمم المتحدة، الأونروا، المنظمات الدولية والدول الثالثة.
ومن هنا تنبع إحدى النتائج المهمة في الرأي: عندما تقيّد القوة القائمة بالاحتلال عمل الجهات التي تقدم خدمات أساسية للسكان، فإن ذلك لا يقلل من التزاماتها. بل على العكس، كلما قُلصت أو مُنعت المساعدة الخارجية، ازدادت مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال عن ضمان الاحتياجات الأساسية للسكان.
غزة واستمرار تطبيق قانون الاحتلال
من القضايا المهمة في الرأي مسألة مكانة قطاع غزة. تذكر المحكمة أنه على الرغم من أن إسرائيل أخرجت قواتها من داخل القطاع عام 2005، إلا أنها واصلت ممارسة عناصر سيطرة مهمة على غزة، خصوصاً في المعابر، المجال الجوي والبحري، حركة الأشخاص والبضائع، ومجالات حيوية أخرى.
وبناءً على ذلك، ترى المحكمة أن التزامات إسرائيل بموجب قانون الاحتلال تجاه غزة تُفحص بحسب درجة السيطرة الفعلية التي تمارسها. وبعد 7.10.2023، تشير المحكمة إلى أن درجة السيطرة الفعلية الإسرائيلية على غزة ازدادت بشكل كبير.
ولذلك فإن وجود أعمال قتالية في إقليم محتل لا يلغي تطبيق قانون الاحتلال، وإن كانت شدة القتال قد تؤثر على طريقة تطبيق بعض الالتزامات. معنى ذلك أنه حتى في حالة قتال قاسية، تظل إسرائيل ملزمة تجاه السكان المدنيين في الإقليم الذي تمارس فيه سيطرة فعلية.
الاعتبارات الأمنية ليست إعفاءً عاماً
تتناول المحكمة أيضاً الاعتبارات الأمنية. فهي توضح أن المخاوف الأمنية الإسرائيلية قد تكون ذات صلة، لكنها لا تشكل “إعفاءً عاماً” يسمح بالانحراف عن قواعد القانون الدولي الإنساني. كل قيد على العمل الإنساني أو على نشاط الأمم المتحدة يجب أن يستند إلى قاعدة قانونية محددة، وأن يمارس بحسن نية، وأن يخضع لمبادئ التمييز، التناسب والاحتياط.
ومعنى ذلك أنه حتى في سياق مكافحة الإرهاب، وحتى في ظروف قتال قاسية، لا تتحرر الدولة من التزاماتها بموجب قانون الاحتلال، القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. وتشمل هذه الالتزامات حماية السكان المدنيين، حظر استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، ضمان الاحتياجات الأساسية للسكان، واحترام عمل جهات الإغاثة.
واجب السماح بالمساعدات الإنسانية وتسهيلها
أحد المحاور المركزية في الرأي هو واجب السماح بمرور المساعدات الإنسانية وتسهيلها. وتشير المحكمة بشكل خاص إلى المادة 59 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تقضي بأنه عندما لا تكون إمدادات السكان في الإقليم المحتل كافية، يجب على القوة القائمة بالاحتلال الموافقة على برامج الإغاثة وتسهيل تنفيذها.
ترى المحكمة أن وضع السكان في غزة يلزم إسرائيل بالسماح ببرامج الإغاثة وتسهيلها. ولا يقتصر هذا الواجب على عدم العرقلة السلبية، بل يشمل التزاماً إيجابياً بالسماح بإدخال الغذاء، الأدوية، المعدات الطبية، الملابس والاحتياجات الأساسية الأخرى، وتمكين الجهات الإنسانية من أداء دورها.
وفي الوقت ذاته، تعترف المحكمة بأن للقوة القائمة بالاحتلال حقاً محدوداً في الرقابة على شحنات المساعدات. إلا أن هذا الحق محدود، ولا يمكن استخدامه كأساس لتعليق شامل للنشاط الإنساني أو حجب عام للمساعدات الضرورية للسكان المدنيين.
الأونروا وهيئات الأمم المتحدة
يخصص الرأي مساحة مهمة للأونروا. وتشير المحكمة إلى أن الأونروا تؤدي دوراً مركزياً في تقديم المساعدات والخدمات للاجئين الفلسطينيين وللسكان المدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وخاصة في غزة. وفي هذا السياق، ترى المحكمة أنه لا يمكن استبدال الأونروا خلال فترة قصيرة ودون خطة انتقالية منظمة تضمن استمرار تقديم المساعدات والخدمات الأساسية.
وبحسب المواد المعروضة عليها، لم تقبل المحكمة الادعاء بأن الأونروا كمنظمة فقدت طابعها الإنساني أو قدرتها على العمل كجهة إغاثة ذات صلة. وحتى عندما تثار ادعاءات خطيرة بشأن موظفين معينين أو مخاوف أمنية، يجب التعامل معها ضمن إطار قانوني مناسب، وليس من خلال إلغاء شامل لنشاط المنظمة بما يمس بالسكان المدنيين.
ومعنى ذلك أن الأسئلة المتعلقة بالحياد، الاشتباه بأشخاص محددين أو المخاوف الأمنية لا يمكن أن تبرر، بذاتها، المس الشامل بمنظومة المساعدات التي يعتمد عليها سكان مدنيون بأكملهم. يجب على الدولة أن تعمل بوسائل قانونية محددة، متناسبة ومبنية على أدلة، لا بطريقة تخلق فراغاً إنسانياً.
الالتزامات تجاه المنظمات الدولية والدول الثالثة
لا يقتصر الرأي على الأونروا. فهو يتناول أيضاً المنظمات الدولية الأخرى، منظمات الإغاثة، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والدول الثالثة التي تعمل في الأرض الفلسطينية المحتلة أو بشأنها. وتؤكد المحكمة أن إسرائيل ملزمة بتمكين هذه الجهات من القيام بنشاط إنساني، تقديم خدمات أساسية، ودعم السكان المدنيين، مع مراعاة قواعد الرقابة والأمن المسموح بها.
وتؤكد المحكمة بصورة خاصة أن منع نشاط هذه الجهات قد يزيد من حجم الالتزامات الملقاة على عاتق إسرائيل نفسها. فإذا قلصت إسرائيل أو منعت قدرة الهيئات الدولية على تقديم خدمات أساسية، فلا يمكنها أن تترك فراغاً؛ وكلما مُنعت المساعدة الخارجية، ازدادت مسؤولية إسرائيل عن ضمان احتياجات السكان.
هذه النتيجة مهمة لأنها تتعامل مع النشاط الإنساني ليس كمسألة سياسة أو حسن نية فقط، بل كجزء من منظومة التزامات قانونية تقع على القوة القائمة بالاحتلال تجاه السكان المحميين.
حماية طواقم الإغاثة، المنشآت والخدمات الطبية
يشدد الرأي على واجب احترام وحماية عمال الإغاثة، الطواقم الطبية، منشآت الأمم المتحدة، ممتلكاتها ومؤسساتها الإنسانية. يتمتع عمال الإغاثة والطاقم الطبي بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية.
ومعنى ذلك أن منشآت الإغاثة، مخازن الغذاء، المدارس، العيادات، الطواقم الطبية وموظفي الأمم المتحدة لا يجوز أن تصبح أهدافاً، ويجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع المساس بها. وإذا أثيرت ادعاءات بشأن سوء استخدام منشأة معينة، فيجب معالجة الأمر وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، وليس بطريقة تؤدي إلى مساس شامل بالسكان المدنيين.
حظر النقل القسري، الإبعاد والتجويع
تذكر المحكمة أيضاً عدداً من المحظورات الأساسية في القانون الدولي الإنساني: حظر النقل القسري والإبعاد للسكان المحميين، حظر استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، وواجب السماح للصليب الأحمر بزيارة المحتجزين المحميين.
وفي هذا السياق، ترى المحكمة أن إسرائيل لا يجوز لها تقييد نشاط الأمم المتحدة، المنظمات الدولية أو الدول الثالثة عندما يؤدي هذا التقييد إلى خلق أو المساهمة في خلق ظروف معيشية قد تدفع السكان إلى مغادرة أماكنهم. أي أن المس بالمساعدات، المياه، الغذاء، الخدمات الصحية أو شروط الحياة الأساسية قد يُفحص أيضاً في سياق حظر النقل القسري.
ولهذه النتيجة أهمية قانونية خاصة لأنها لا تتعلق فقط بالقصف أو المس المباشر، بل أيضاً بالسياسات التي تؤثر على شروط الحياة الأساسية للسكان المدنيين.
امتيازات وحصانات الأمم المتحدة
يتناول جزء آخر من الرأي التزامات إسرائيل كعضو في الأمم المتحدة. وتشدد المحكمة على واجب التعاون مع الأمم المتحدة، عدم عرقلة أعمالها، واحترام الامتيازات والحصانات الممنوحة للمنظمة، موظفيها، ممتلكاتها ومنشآتها.
وبحسب المحكمة، في الإقليم المحتل لا يحق لإسرائيل أن تتعامل مع وجود الأمم المتحدة كما لو كان الأمر داخل إقليمها السيادي، حيث تستطيع أن تقرر بصورة أحادية إنهاء نشاط المنظمة. بل يجب عليها احترام الامتيازات والحصانات حتى في سياق نزاع مسلح، ومعالجة أي ادعاءات أو مخاوف بشأن عمل المنظمة ضمن الإطار القانوني القائم.
ويشمل هذا الواجب أيضاً احترام حصانة موظفي الأمم المتحدة، ممتلكات المنظمة، منشآتها، وثائقها ونشاطها الرسمي. إن المس بقدرة الأمم المتحدة على العمل في الأرض الفلسطينية المحتلة ليس مجرد مسألة عملية أو سياسية، بل قد يثير أسئلة قانونية بموجب ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة.
الحق في تقرير المصير
يربط الرأي بين نشاط الأمم المتحدة وجهات الإغاثة وبين حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وتشدد المحكمة على أن على إسرائيل الامتناع عن أعمال تمنع تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك من خلال عرقلة نشاط الأمم المتحدة، المنظمات الدولية والدول الثالثة.
وبذلك، لا تُعرض المساعدات الإنسانية كمسألة تقنية فقط. فهي جزء من الشروط التي تتيح للسكان المدنيين البقاء، والحفاظ على حياتهم وصحتهم وكرامتهم، وممارسة حقوقهم الأساسية. وفي غياب شروط الحياة الأساسية، تتضرر أيضاً قدرة الشعب الفلسطيني على الحفاظ على حياة جماعية، مؤسسات عامة، خدمات ضرورية وممارسة فعلية لحقوقه.
أهمية الرأي
يشكل الرأي الاستشاري بتاريخ 22.10.2025 استكمالاً للرأي الاستشاري بتاريخ 19.7.2024. فإذا كان الرأي الأول قد تناول أساساً قانونية الاحتلال، المستوطنات، الضم والآثار القانونية الواسعة، فإن الرأي الثاني يتناول الالتزامات العملية لإسرائيل بشأن المساعدات، الخدمات الأساسية، نشاط الأمم المتحدة وحماية السكان المدنيين.
وله أهمية خاصة لكل من يعمل في مجالات حقوق الإنسان، القانون الدولي، العمل الإنساني، حماية السكان المدنيين، ومكانة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في الأرض الفلسطينية المحتلة. كما أنه مهم لفهم التزامات إسرائيل عندما تقيّد عمل الهيئات الدولية، تغلق المعابر، تحد من حركة البضائع والأشخاص، أو تمنع تقديم خدمات أساسية.
إلى جانب ذلك، للرأي أهمية أوسع تتعلق بإدارة الأرض الفلسطينية المحتلة: فهو يؤكد أن السيطرة الفعلية ليست فقط مصدراً للصلاحية، بل هي أيضاً مصدر للالتزامات. فكلما سيطرت إسرائيل على المعابر، الحركة، الإمدادات وقدرة الجهات الدولية على العمل، ازدادت مسؤوليتها عن ضمان حصول السكان المدنيين على احتياجاتهم الأساسية.
خلاصة
يضع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بتاريخ 22.10.2025 إطاراً واضحاً لالتزامات إسرائيل تجاه عمل الأمم المتحدة، الأونروا، منظمات الإغاثة والدول الثالثة في الأرض الفلسطينية المحتلة. وتؤكد المحكمة أن هذه الالتزامات تنبع من مكانة إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال ومن عضويتها في الأمم المتحدة.
الرسالة المركزية للرأي هي أن إسرائيل لا يجوز لها عرقلة النشاط الإنساني أو نشاط هيئات الأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة بصورة شاملة، وأن عليها السماح بتقديم المساعدات والخدمات الأساسية للسكان المدنيين وتسهيل ذلك، واحترام امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، والامتناع عن المس بالحقوق الأساسية وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
للاطلاع على الرأي الاستشاري الكامل لمحكمة العدل الدولية بتاريخ 22.10.2025 — اضغط هنا.