في 19.7.2024 أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأياً استشارياً مهماً، يتناول الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية.
تحوّل هذا الرأي إلى وثيقة أساسية في النقاش القانوني الدولي حول مكانة الاحتلال، قانونية المستوطنات، سياسة الأراضي، هدم المنازل، تطبيق القانون الإسرائيلي في الأرض المحتلة، وآثار الضم الفعلي. وقد ازدادت أهميته بعد الرأي الاستشاري اللاحق الصادر عن المحكمة بتاريخ 22.10.2025، والذي تناول التزامات إسرائيل تجاه الأمم المتحدة، الأونروا ومنظمات الإغاثة، واستند بدرجة كبيرة إلى المبادئ التي قررتها المحكمة في رأيها الصادر بتاريخ 19.7.2024.
صدر الرأي بناءً على طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي طلبت من المحكمة تناول سؤالين أساسيين: ما هي الآثار القانونية المترتبة على سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ وكيف تؤثر هذه السياسات والممارسات على المكانة القانونية للاحتلال وعلى الالتزامات المترتبة على إسرائيل، الدول الأخرى والأمم المتحدة.
الأرض الفلسطينية المحتلة كوحدة إقليمية واحدة
قررت المحكمة أن الأرض الفلسطينية التي احتُلت عام 1967 — الضفة الغربية، القدس الشرقية وقطاع غزة — تشكل، من الناحية القانونية، وحدة إقليمية واحدة. لهذه المسألة أهمية خاصة، لأنها تمنع التعامل مع كل منطقة بمعزل عن الأخرى، وتؤكد ضرورة فحص سياسات إسرائيل تجاه الأرض الفلسطينية المحتلة ككل.
كما أكدت المحكمة أن الاحتلال لا يمنح القوة القائمة بالاحتلال سيادة على الإقليم المحتل. وحتى الاحتلال الطويل، الممتد لسنوات كثيرة، لا ينقل الملكية أو السيادة إلى القوة المحتلة، ولا يوسع صلاحياتها إلى ما يتجاوز ما يسمح به قانون الاحتلال. فصلاحيات القوة القائمة بالاحتلال مؤقتة ومحدودة، ويجب أن تُمارس لمصلحة السكان المحليين المحميين.
وفي هذا السياق، شددت المحكمة على أن اتفاقيات أوسلو أيضاً لا تنتقص من التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي تجاه الأرض الفلسطينية المحتلة. أي أن ترتيبات سياسية أو إدارية مؤقتة لا يمكن أن تبرر المساس بالحقوق الأساسية للسكان الفلسطينيين أو تغيير مكانة الأرض من طرف واحد.
سياسة الاستيطان
خصصت المحكمة جزءاً مركزياً من الرأي الاستشاري لسياسة الاستيطان. ولم تفحص المحكمة إقامة المستوطنات فقط، بل تناولت أيضاً المنظومة الواسعة التي تتيح إقامتها وتوسيعها واستمرارها: تخصيص الأراضي، البنية التحتية، الطرق، الدعم الحكومي، تطبيق القانون الإسرائيلي، وتنظيم البؤر الاستيطانية بأثر رجعي.
وأكدت المحكمة أن التمييز بين “المستوطنات” و“البؤر الاستيطانية” ليس حاسماً من زاوية القانون الدولي، طالما أن الحديث يدور عن نقاط استيطانية أُقيمت أو استمرت بدعم من الدولة. وبذلك تعاملت المحكمة مع سياسة الاستيطان كمنظومة واحدة، وليس فقط مع المستوطنات المعترف بها رسمياً.
وفي هذا السياق، قررت المحكمة أن نقل السكان المدنيين التابعين للقوة القائمة بالاحتلال إلى الإقليم المحتل، وكذلك الحفاظ على وجودهم هناك من خلال الدعم، البنية التحتية وتخصيص الموارد، يتعارض مع القانون الدولي، وبصورة خاصة مع الحظر الوارد في المادة 49(6) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الإقليم الخاضع للاحتلال.
ومعنى ذلك أن القانون الدولي لا يفحص المستوطنات كنقاط سكنية منفصلة فقط، بل يفحص أيضاً المنظومة الكاملة التي تدعمها: التخطيط، تخصيص الأراضي، الطرق، البنية التحتية، الميزانيات، ترتيبات الحماية، والأنظمة القانونية والإدارية التي تسمح باستمرارها وتوسيعها.
الأراضي، “أراضي الدولة” والموارد الطبيعية
أولى الرأي الاستشاري أهمية كبيرة لسياسة الأراضي. فقد أشارت المحكمة إلى أن سياسة الاستيطان تعتمد، من بين أمور أخرى، على السيطرة على أراضٍ، تخصيص أراضٍ، الإعلان عن أراضٍ كـ“أراضي دولة”، واستعمال أدوات تخطيطية وإدارية من أجل ترسيخ الوجود الإسرائيلي في الأرض المحتلة.
من الناحية القانونية، لا يجوز للقوة القائمة بالاحتلال أن تتصرف بالأرض كما لو كانت ملكاً سيادياً لها. وحتى عندما يدور الحديث عن أراضٍ عامة أو موارد طبيعية، فإن القوة المحتلة ليست إلا مديراً أو صاحب انتفاع مؤقت، وفقاً للمبدأ الوارد في المادة 55 من أنظمة لاهاي، الذي يلزمها بالحفاظ على الأملاك العامة والتصرف بها كأمين لمصلحة السكان المحليين.
إن استخدام الموارد الطبيعية في الأرض المحتلة لصالح سكان القوة القائمة بالاحتلال، أو لصالح المستوطنات، يثير أسئلة قانونية صعبة تتعلق بالمشروعية، المساواة، التناسب وواجب الأمانة تجاه السكان المحميين. وتزداد أهمية ذلك عندما تُخصص موارد مثل الأرض، المياه، المقالع، المساحات المفتوحة وطرق الوصول لصالح المستوطنات، بينما تُقيّد إمكانيات التطور والاستعمال لدى السكان الفلسطينيين المحليين.
ولهذه المسائل أهمية عملية كبيرة في مجالات الأراضي والتخطيط: الإعلان عن أراضٍ كـ“أراضي دولة”، تخصيص أراضٍ للمستوطنات، شق طرق، إقامة بنى تحتية، توسيع مناطق نفوذ المستوطنات، منع الوصول إلى الأراضي الزراعية، والمس بإمكانيات التطور للقرى والتجمعات الفلسطينية.
تطبيق القانون الإسرائيلي والضم الفعلي
تناولت المحكمة أيضاً مسألة تطبيق القانون الإسرائيلي، والأنظمة الإدارية الإسرائيلية وآليات السيطرة المختلفة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وخلصت إلى أن توسيع تطبيق القانون الإسرائيلي وممارسة صلاحيات حكم بطريقة تؤدي إلى سيطرة دائمة ومستمرة في الأرض المحتلة لا ينسجمان مع قواعد قانون الاحتلال.
وفي هذا السياق، أشارت المحكمة أيضاً إلى المبدأ الأساسي الوارد في المادة 43 من أنظمة لاهاي، والذي يلزم القوة القائمة بالاحتلال باحترام القانون القائم في الإقليم المحتل قدر الإمكان، وإلى المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تقيد صلاحية القوة القائمة بالاحتلال في تغيير القانون المحلي. وعلى هذه الخلفية، فإن توسيع تطبيق أنظمة إسرائيلية على الأرض المحتلة يثير صعوبة خاصة عندما يكون الهدف منه خدمة سيطرة دائمة أو دفع مشروع الاستيطان.
وبناءً على ذلك، رأت المحكمة أن سياسات إسرائيل، وخاصة في القدس الشرقية وأجزاء واسعة من منطقة C، تخلق آثاراً غير قابلة للعكس على الأرض وتعكس نية للسيطرة الدائمة. واعتبرت المحكمة أن هذه السياسات ترقى إلى ضم أجزاء كبيرة من الأرض الفلسطينية المحتلة، خلافاً للمبدأ الأساسي في القانون الدولي الذي يحظر اكتساب الأراضي بالقوة.
التمييز، الهدم وقيود الحركة
تناول الرأي أيضاً سلسلة من التدابير التي تميز بين السكان الفلسطينيين وسكان المستوطنات. ومن بين ذلك، بحثت المحكمة قيود الحركة، سياسة التصاريح، هدم المنازل، الهدم بسبب عدم وجود رخصة بناء، والهدم العقابي.
وأكدت المحكمة أن سياسة هدم المنازل، بما في ذلك الهدم بحجة عدم وجود رخصة بناء، لا يمكن فصلها عن السياق التخطيطي العام. فعندما يواجه السكان الفلسطينيون نظاماً تخطيطياً مقيداً، وصعوبة حقيقية في الحصول على تراخيص، ومنظومة إنفاذ صارمة، يجب فحص الهدم أيضاً في سياق التمييز، المس بالحقوق الأساسية، والفصل بين المجتمعات.
هذه النتيجة مهمة جداً لكل من يعمل في قضايا التخطيط والبناء في الضفة الغربية، لأنها تعزز الفكرة بأن أوامر الهدم، رفض التراخيص والإنفاذ التخطيطي ليست مسائل تقنية فقط. بل يجب فحص الخلفية التخطيطية، الإمكانية العملية للحصول على ترخيص، السياسة التخطيطية العامة، والأثر المتراكم على حقوق السكان الفلسطينيين.
وفي سياق تهجير السكان أو دفعهم بعيداً عن أماكنهم، يجب التذكير أيضاً بالمادة 49(1) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري أو إبعاد السكان المحميين من الإقليم المحتل، إلا في حالات استثنائية ومحدودة ينص عليها القانون.
عنف المستوطنين وواجب حماية السكان المحليين
تطرقت المحكمة أيضاً إلى العنف ضد الفلسطينيين، وبشكل خاص إلى الإخفاق المنهجي في منع عنف المستوطنين ومحاسبة المسؤولين عنه. وأكدت أن القوة القائمة بالاحتلال ملزمة بحماية السكان المحليين، حياتهم، سلامتهم وأملاكهم.
وهذا يعني أن عنف المستوطنين ليس مجرد مسألة جنائية منفصلة. فعندما يتكرر العنف، وعندما يمس الوصول إلى الأراضي، الزراعة، الرعي، الممتلكات، المدارس وحيز الحياة اليومي للتجمعات الفلسطينية، فإنه قد يكون جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى دفع السكان بعيداً عن أراضيهم والمس بحقوقهم المحمية.
ومن الناحية القانونية، فإن واجب الحماية لا يقتصر على الامتناع عن المس المباشر من جانب الجيش أو السلطات. بل يشمل أيضاً واجب اتخاذ وسائل معقولة لمنع المس من جانب جهات خاصة، التحقيق في الأحداث، إنفاذ القانون، وتمكين السكان الفلسطينيين من الوصول الآمن إلى أراضيهم، مصادر رزقهم وحيز حياتهم.
الحق في تقرير المصير
من أهم ما ورد في الرأي الاستشاري تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. فقد رأت المحكمة أن سياسة الاستيطان، الضم، تفتيت الأرض والقيود المفروضة على السكان الفلسطينيين تمس بقدرة الشعب الفلسطيني على ممارسة حقه في تقرير مصيره.
وأكدت المحكمة أن الحق في تقرير المصير هو حق أساسي في القانون الدولي، وأنه في حالات الاحتلال الأجنبي يكتسب مكانة معيارية خاصة. وعلى إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، واجب عدم عرقلة ممارسته. فالسياسات التي تخلق وقائع غير قابلة للعكس، وتغير التركيبة الديمغرافية، وتمس بالتواصل الجغرافي وتحد من قدرة السكان الفلسطينيين على التطور، تمس بهذا الحق.
النتيجة: عدم قانونية الوجود الإسرائيلي المستمر
النتيجة الأشد في الرأي الاستشاري هي أن الوجود الإسرائيلي المستمر في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني. فقد رأت المحكمة أن سياسات إسرائيل، وخاصة الاستيطان، الضم الفعلي، والمس بحق تقرير المصير، تجعل استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض المحتلة مخالفاً للقانون الدولي.
ومع ذلك، أوضحت المحكمة أن عدم قانونية الوجود لا يعفي إسرائيل من التزاماتها تجاه السكان الفلسطينيين طالما أنها تمارس سيطرة فعلية على الأرض أو على جوانب مركزية من الحياة فيها. أي أن إسرائيل تظل ملزمة بقواعد قانون الاحتلال، القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ما دامت تمارس السيطرة الفعلية.
الآثار القانونية على إسرائيل
خلصت المحكمة إلى أن على إسرائيل أن تنهي وجودها في الأرض الفلسطينية المحتلة بأسرع وقت ممكن، وأن توقف فوراً كل نشاط استيطاني جديد، وأن تلغي التشريعات والتدابير التي تنشئ أو تحافظ على الوضع غير القانوني، وأن تقدم تعويضاً كاملاً عن الأضرار الناجمة عن أفعالها غير المشروعة.
كما أشارت المحكمة إلى أن معالجة الوضع قد تشمل إعادة الأراضي والممتلكات التي تم الاستيلاء عليها، إخلاء المستوطنين من المستوطنات القائمة، تفكيك أجزاء الجدار الواقعة داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، وتمكين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من العودة إلى أماكن سكناهم الأصلية، بقدر ما يكون ذلك مطلوباً وممكناً.
الآثار على الدول الأخرى، الشركات والنشاط الاقتصادي
إلى جانب التزامات إسرائيل، أكدت المحكمة أيضاً التزامات الدول الأخرى: عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني، عدم تقديم المساعدة في استمراره، والتمييز في كل تعاملاتها مع إسرائيل بين إقليم دولة إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة. وقد تكون لهذا الواجب آثار عملية واسعة في مجالات التجارة، الاستثمار، التمويل، البنية التحتية، العقارات والخدمات المهنية المرتبطة بالمستوطنات.
وعلى المستوى العملي، قد تؤثر هذه النتيجة أيضاً على الاتفاقيات التجارية، وسم المنتجات، التعاقد مع جهات تعمل في المستوطنات، تمويل المشاريع، النشاط المصرفي، التأمين، خدمات العقارات، وعمل الشركات متعددة الجنسيات. فكلما اعتمدت دول وهيئات دولية سياسات تميّز بين إسرائيل داخل إقليمها السيادي وبين الأرض الفلسطينية المحتلة، ازدادت أهمية فحص المخاطر القانونية، التنظيمية والتجارية المرتبطة بأي نشاط اقتصادي له صلة بالمستوطنات.
وهذه النتيجة ليست مجرد إعلان دبلوماسي. فقد تؤثر على الطريقة التي تفحص بها الدول، الشركات، البنوك، صناديق الاستثمار، مزودو الخدمات المهنية والجهات العامة التعاقدات، المشاريع والنشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات أو بالبنى التحتية التي تخدمها.
أهمية الرأي لقضايا الأراضي والتخطيط
بالنسبة لقضايا الأراضي، التخطيط والبناء، يشكل هذا الرأي الاستشاري وثيقة أساسية. فهو يقدم إطاراً قانونياً واسعاً لفحص الإعلان عن أراضٍ كـ“أراضي دولة”، تخصيص الأراضي للمستوطنات، أوامر الهدم، منع الوصول إلى الأراضي، توسيع مناطق نفوذ المستوطنات، شق الطرق، إقامة البؤر والمزارع الاستيطانية، واستعمال الموارد العامة في الأرض المحتلة.
وتكمن أهمية الرأي ليس فقط في المستوى السياسي أو الدولي، بل أيضاً في الملفات القانونية الفردية، حيث تُفحص حقوق الملكية، الوصول إلى الأرض، التخطيط التمييزي، غياب الإمكانية العملية للحصول على ترخيص، استعمال أوامر الهدم، وتأثير سياسة الاستيطان على أصحاب الحقوق والحائزين الفلسطينيين.
وبذلك، فإن الرأي الاستشاري ليس مجرد وثيقة إعلانية في المستوى الدولي، بل هو أيضاً أداة قانونية مهمة لفهم الآثار العملية لسياسة الأراضي، التخطيط والاستيطان على حقوق أصحاب الأراضي، الحائزين والتجمعات الفلسطينية في المنطقة.
خلاصة
يشكل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بتاريخ 19.7.2024 وثيقة قانونية مركزية لفهم مكانة الاحتلال، قانونية المستوطنات، سياسة الأراضي، وواجب التمييز بين إسرائيل داخل حدودها السيادية وبين الأرض الفلسطينية المحتلة.
ويعزز هذا الرأي الفهم بأن قضايا “أراضي الدولة”، أوامر الهدم، التخطيط، البنية التحتية، البؤر الاستيطانية، عنف المستوطنين وقيود الوصول إلى الأراضي ليست مسائل محلية أو إدارية فقط، بل هي جزء من منظومة قانونية أوسع تُفحص في ضوء قانون الاحتلال، القانون الدولي الإنساني، حقوق الإنسان والحق في تقرير المصير.
للاطلاع على الرأي الاستشاري الكامل لمحكمة العدل الدولية بتاريخ 19.7.2024 — اضغط هنا.